السيد الطباطبائي
162
الإنسان والعقيدة
إذ القول في آثار الذات ولا يستكمل أثر من آثار الذات إلّا بعد استكمال نفسه التي هي المبدأ ، وهو ظاهر دون العكس ؛ إذ الذات يمكن أن يقع مرضيّا لطهارة محتدة ، وخلوص عقائده ولا يقع مرضيّا في أفعاله وآثاره لورود مانع حاجب . والحاصل : أنّ الشافعين هم الذين رضي اللّه عنهم ، ورضي قولهم ، أي شهد كمالهم ، وكمال قولهم لا يشوبه نقص ولا خطأ ، أي أنّ علمهم علمه سبحانه لم يختلط بشبهات الأوهام وخطأ الأهواء ، فإنّ العلم فيما يحيط به ويصدق هو له سبحانه . قال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ « 1 » . ولذلك فإنّ النبيّين ، وهم السابقون من المرضيّين ، ينفون العلم عن أنفسهم ، إذا خاطبهم اللّه سبحانه : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ « 2 » . مع أنّ العلوم التي معهم أكثر وأصدق من علوم غيرهم بلا شكّ ، فهؤلاء باقون على طهارة الذات الأصليّة موفون بعهدهم الذي واثقوه مع ربّهم ، قال سبحانه : لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً « 3 » . وبالجملة فالشافعون هم المرضيّون ذاتا وأعمالا . ومثل ذلك في الذات مأخوذ في جانب المشفوعين ، قال سبحانه : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى « 4 » . فالإرتضاء مطلق وليس ناظرا إلى الأعمال ، فإنّ الشفاعة إنّما هي فيها ، فالإرتضاء إنّما تعلّق بهم لا بأعمالهم ، أي أنّ نفوسهم طاهرة بالإيمان ويشهد به أيضا قوله
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 255 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 109 . ( 3 ) سورة مريم : الآية 87 . ( 4 ) سورة الأنبياء : الآية 28 .